ابراهيم الأبياري

287

الموسوعة القرآنية

والسور المدنية فيها خطاب من أقرّ بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين فخوطبوا ب أَهْلِ الْكِتابِ ، يا بَنِي إِسْرائِيلَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس ، وهي نوعان : مخلوقة للَّه ، ومقدورة لهم ، كالنسب والصهر ولهذا افتتحت بقوله : اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ثم قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فانظر هذه المناسبة العجيبة في الافتتاح وبراعة الاستهلال ، حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما أكثر السورة في أحكامه من نكاح النساء ومحرماته والمواريث المتعلقة بالأرحام ، فإن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ، ثم خلق زوجته منه ، ثم بثّ منهما رجالا كثيرا ونساء في غاية الكثرة . وأما المائدة فسورة العقود تضمنت بيان تمام الشرائع ، ومكملات الدين ، والوفاء بعهود الرسل ، وما أخذ على الأمة ، وبها تم الدين ، فهي سورة التكميل ، لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام ، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين ، وعقوبة المعتدين من السراق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال ، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة اللَّه تعالى ، ولهذا ذكر فيها ما يختص شريعة محمد صلّى اللَّه عليه وسلم كالوضوء والتيمم والحكم بالقرآن على كل ذي دين ، ولهذا أكثر فيها من لفظ الإكمال والإتمام ، وذكر فيها أن من ارتدّ عوض اللَّه بخير منه ، ولا يزال هذا الدين كاملا ، ولهذا أورد أنها آخر ما نزل فيها من إشارات الختم والتمام . وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب ، وحكى أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن وضعوا سورة القدر عقب العلق ، استدلوا بذلك على أن المراد بها الكناية في قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الإشارة إلى قوله : اقرأ . ومن ذلك افتتاح السور بالحروف المقطعة ، واختصاص كل واحدة بما بدئت به ، حتى لم يكن لترد ألم في موضع الر ولا حم في موضع طس . وذلك أن كل سورة بدئت بحرف منها ، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له ، فحق لكل سورة منه ألا يناسبها غير الواردة فيها ، فلو وضع ق